عبد الرحمن بن ناصر السعدي
249
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
* ( اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) * فإن المؤمن ، يحمله ما معه من الإيمان على ملازمة التقوى ، وأن ينقاد لأمر الله ، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي لا يدري ما يكون بعدها . فأخبر الحواريون ، أنهم ليس مقصودهم هذا المعنى ، وإنما لهم مقاصد صالحة . لأجل الحاجة إلى ذلك * ( قالوا نريد أن نأكل منها ) * وهذا دليل على أنهم محتاجون لها . * ( وتطمئن قلوبنا ) * بالإيمان ، حين نرى الآيات العيانية ، حتى يكون الإيمان عين اليقين . كما سأل الخليل ، عليه الصلاة والسلام ربه ، أن يريه كيف يحيي الموتى * ( قال أولم تؤمن ؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي ) * . فالعبد محتاج إلى زيادة العلم ، واليقين ، والإيمان كل وقت ، ولهذا قال : * ( ونعلم أن قد صدقتنا ) * أي : نعلم صدق ما جئت به ، أنه حق وصدق . * ( ونكون عليها من الشاهدين ) * فتكون مصلحة لمن بعدنا . نشهدها لك ، فتقوم الحجة ، ويحصل زيادة البرهان بذلك . فلما سمع عيسى عليه الصلاة والسلام ذلك ، وعلم مقصودهم ، أجابهم إلى طلبهم في ذلك . فقال : * ( اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك ) * أي : يكون وقت نزولها ، عيدا وموسما ، يتذكر به هذه الآية العظيمة ، فتحفظ ولا تنسى على مرور الأوقات ، وتكرر السنين . كما جعل الله تعالى أعياد المسلمين ومناسكهم ، مذكرة لآياته ، ومنبها على سنن المرسلين وطرقهم القويمة ، وفضله وإحسانه عليهم . * ( وارزقنا وأنت خير الرازقين ) * أي : اجعلها لنا رزقا . فسأل عيسى عليه السلام نزولها أن تكون لهاتين المصلحتين ، مصلحة الدين ، بأن تكون آية باقية ، ومصلحة الدنيا ، وهي : أن تكون رزقا . * ( قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين ) * لأنه شاهد الآية الباهرة وكفر ، عنادا وظلما ، فاستحق العذاب الأليم ، والعقاب الشديد . واعلم أن الله تعالى وعد أنه سينزلها ، وتوعدهم إن كفروا بهذا الوعيد . ولم يذكر أنه أنزلها . فيحتمل أنه لم ينزلها ، بسبب أنهم لم يختاروا ذلك . ويدل على ذلك ، أنه لم يذكر في الإنجيل الذي بأيدي النصارى ، ولا له وجود . ويحتمل أنها نزلت ، كما وعد الله ، وأنه لا يخلف الميعاد . ويكون عدم ذكرها في الأناجيل التي بأيديهم ، من الحظ الذي ذكروا به فنسوه . أو أنه لم يذكر في الإنجيل أصلا ، وإنما ذلك كان متوارثا بينهم ، ينقله الخلف عن السلف ، فاكتفى الله بذلك ، عن ذكره في الإنجيل . ويدل على هذا المعنى قوله : * ( ونكون عليها من الشاهدين ) * والله أعلم بحقيقة الحال . * ( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ) * . وهذا توبيخ للنصارى ، الذين قالوا : إن الله ثالث ثلاثة فيقول الله هذا الكلام لعيسى . فيتبرأ منه عيسى ويقول : * ( سبحانك ) * عن هذا الكلام القبيح ، وعما لا يليق بك . * ( ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ) * أي : ما ينبغي لي ، ولا يليق أن أقول شيئا ، ليس من أوصافي ، ولا من حقوقي . فإنه ليس أحد من المخلوقين ، لا الملائكة المقربون ، ولا الأنبياء المرسلون ولا غيرهم ، له حق ولا استحقاق لمقام الإلهية . وإنما الجميع عباد ، مدبرون ، وخلق مسخرون ، وفقراء عاجزون . * ( إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك ) * فأنت أعلم بما صدر مني . * ( إنك أنت علام الغيوب ) * وهذا من كمال أدب المسيح عليه الصلاة والسلام ، في خطابه لربه . فلم يقل عليه السلام : ( لم أقل شيئا من ذلك ) . وإنما أخبر بكلام ينفي عن نفسه ، أن يقول كل مقالة تنافي منصبه الشريف ، وأن هذا من الأمور المحالة . ونزه ربه عن ذلك أتم تنزيه ، ورد العلم إلى عالم الغيب والشهادة . ثم صرح بذكر ما أمر به بني إسرائيل فقال : * ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به ) * فأنا عبد متبع لأمرك ، لا متجرىء على عظمتك . * ( أن اعبدوا الله ربي وربكم ) * أي : ما أمرتهم إلا بعبادة الله وحده ، وإخلاص الدين له ، المتضمن للنهي ، عن اتخاذي وأمي إلهين ، من دون الله ، وبيان أني عبد مربوب ، فكما أنه ربكم فهو ربي . * ( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ) * أشهد على من قام بهذا الأمر ، ممن لم يقم به . * ( فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ) * أي : المطلع على سرائرهم وضمائرهم . * ( وأنت على كل شيء شهيد ) * علما وسمعا وبصرا . فعلمك قد أحاط بالمعلومات ، وسمعك بالمسموعات ، وبصرك بالمبصرات ، فأنت الذي تجازي عبادك ، بما تعلمه فيهم من خير وشر .